بحيرة

مساء الياسمين، كيف حال زبرجدي الثّمين؟
لا أعرف إن كنت محظوظة ومرت عيناك على هذه الفضفضة وربما الثرثرة تصل إليك وحدك في يومٍ مرضتُ فيه قبل مباشرة العودة للعمل غداً، لتنتهي الإجازة على عجل، والحمد لله على كل حال.
لا أعرف لماذا أكتب لك ثانيةً وثالثةً وعاشرةً أصلاً، لا أرغب بمضايقتك بالتزحلق لزقاق الرسائل الخاصة، فأكتبها إليكَ بين صفحات هذا الكتاب مع العامّة خشية حرصي الذي لا أفهمه حتى الآن؟ أحتاج لشيء من بوحٍ قليل، حتى وإن لم أحظ بقارئٍ يفهم.
لا أملك سعةً من الوقت للتعبير دوماً فاعذر إطالتي، أتأمل المشهد بهدوء، يدغدغ هواء المساء أوراق الشامخات حولي، تتراقص مياه البحيرة بخفّةٍ مثيرةٍ للانتباه، لا هيَ سريعةٌ ولا هيَ بطيئة، تتحرك فقط، وتتحرك داخلي أشياءٌ وأشياء.
أتأمل سماء المساء، تبدو جميلةً كما لم تبدُ من قبل، تضجُّ جمالاً في الشتاء يستأذن الرحيل على خجلٍ بلا مطر، تعوّضك بصفائها الحاليّ عن كل شراستها طوال الصيف بلا انتهاء.
وحدها الشمس تعرف أنّي لا أُغيّر ولا أتغير بسهولة، ولكنها قامت تساعدني على ذلك هذه الأيّام، لا صدفة في الحياة مطلقاً، لا أؤمن بالصدف ولن أؤمن، ربما هناك تخاطرٌ روحيّ، جذبُ أحداث، روتينٌ جديدٌ خلقَ حالةً معيّنة، لكن أن تصف ما كان بأنّه ” محض صدفة ”، فكلّا وألف لا، ما تكرّر تقرّر، وأنا أكرّر أن لا صدف في حياتنا.
إنه الله، يغيّر ولا يتغيّر، ويقلّب القلوب بين اصبعين بلحظة، يستجيب لك الدعاء الذي لطالما دعوته وألححت به، ليأتيَك على طبقٍ مُذهلٍ من ذهب.
لطالما تساءلت بإلحاح، ماذا حدث في ذلك اليوم الأخير الذي سبق رحيل زبرجد العمر الأعظم منذ ستة أعوام، وصفه حامداً ممتنّاً ببضع كلمات: هذا اليوم كان مثل النزهة.
كم أحبَّه، لكثرة الضيوف والأحداث والمودعين على ألم، مُودّعاً الحياة بمرض السّرطان مُباغتاً على حين غفلة، يقول الأطباء أن أقصى الأحلام استمرار حياته ثلاثة أشهر بعد والعلم عند علّام الغيوب، نُنكر وينكر ونستعدُّ للوداع كلَّ يوم، نسجّل محادثاتنا الصوتيّة معه دون أن يحسّ، نلتقط الصور ومقاطع الفيديو لعناقات الوداع الأخيرة الطويلة، نغني له بأصواتنا الأناشيد التي يحب، وينشد لنا وللأحفاد ما نحبّ، ويسرد تفاصيل العمر في الشهر الأخير على السرير.
رسالةٌ مّا حملها ذلك اليوم لي من أوله إلى منتهاه ساعةً بساعة، وتفصيلاً بتفصيل، بكلّ تصوير.
أدركت لاحقاً أني رأيت مشهد حياتي كاملاً خلال إشارات متعدّدة جاءت تذكّرني دوماً أنّ عليّ أن أملك زمام عقلي وقلبي وأمري دوماً، وأن أمضي متمسكةً كلَّ يومٍ ب: ” يا يحيى خذِ الكتاب بقوّة ”، ربّما فُرض عليّ أن أكون بتلك القوّة منذ البداية وحتى النهاية.
عدم التّوازن لحظة وفاة من نحبّ والهبوط على الركبتين لا يحتمله عقل الكبير ولا قلب الصّغير، شرخٌ نفسيٌّ عليك أن تثبت أمامه ثلاثة أيّامٍ وليالٍ متّصلةٍ حتّى ينفضّ العزاء، ويمضي كلّ ذي حالٍ إلى سبيله، حتّى في فاجعة الموت، لا بدّ لك من أن تُجامل وتثبت، أن تكون كبيراً، أن تتفهّم وتحتوي وتقوّي أسرتك وإن كانت روحك حينها أخفّ من ريشة على وشك أن تطير وتضيع هباءً منثوراً في مهبّ الريح، روحاً لا تنسى مشهد الوداع ما عاشت، حتى وإن كُتب لها نسيان كلِّ شيء لاحقاً، كلّ شيء.
إذا كانت كلّ فتاةٍ بأبيها معجبة، فأنا معجبةٌ بوالدي مجموع ما أُعجبت فتيات الكون السابقات واللاحقات والحاليّات بآبائهن، أبي زبرجدي الأوّل والثاني والعاشر والألف والآخر والأخير، ولا زبرجد يخطف القلب والنّظر في العمر مثله.
كن بخير، كلّ خير، زبرجداً أتمنى أن يشبه الزبرجد الأعظم في عمري من كلّ قلبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *