عناق

حلوتي الرقيقة، صغيرتي التي لا تكبر، بعيدتي التي لا تبعد.

أختي الصغيرة، آخر العنقود، حبيبتي ومدللة أبي

يُفترض برسائلنا أن ترسل وتصل إلى عنوان بريدٍ خاص، ولكننا كثيراً ما نحبّ نُشارك من نحب ما نحب.

في الأدبِ سلوةٌ للمشتاق، وعناقٌ لروحِ المغترب، وأنا أهدي هذه الكلمات لكلّ مشتاقٍ على هذه الأرض، علّنا نروّح عن الحنينِ قليلاً.

لقد صدقت أمي يا نور، كما تفعلُ دائماً، “وكانت الطفولة، أياماً لا ترجع”.

كبرنا، وتغرّبنا من غربةٍ إلى غربة، كُنّا نشتاقُ أوطاننا التي ما عرفناها إلاّ في اللّهجة، وبهارات الطبخة، ولطيف التقاليد والعادات.

فصرنا نشتاقُ البلاد التي احتضنتنا الحضنَ الأوّلَ بعدَ غربتنا الأُولى، ولملمت شتاتَ حنيننا لأقربائنا وأرحامنا فيها صباح مساء!
يبدو أنّنا كبرنا كثيراً يا نور، وما زلنا نكبر.

عند كل قهرٍ نكبر، مع كل مشاهدةٍ لصورةٍ أو مقطعٍ مرئيٍ لخيمةٍ وطفلٍ جميلٍ يتيمٍ شريدٍ طريدٍ نكبر، يكبرُ الهمّ، يكبرُ الألم، وتكبرُ الرّغبة في فعلِ شيء ذو قيمة، ويكبر الدّعاء، وذلك خيرٌ عظيم.

أستيقظُ فجراً على رسالةٍ صوتيّةٍ متحشرجة الصوت، أحتسبُ الأجر، وأجيب عليها على الفور بصوتٍ نائم، أطبطبُ على المُرسلةِ على بعد اثنتي عشر ألف كيلو متر، وسنَتَي شوق، وأحمده أن يسّر الوصلَ علينا، بلمسةِ أيقونةٍ على شاشة، فلا أسهل ولا أجمل.

نلتقي يوماً، وتمحى خرمشات الحنين من أرواحنا، ويفهمُ من كان له قلبٌ رسالته في الحياة عند لحظةٍ مّا، هيَ اللحظةُ الأغلى في عمره.

هُنا نجد، أختك الكبرى تعالجُ شيئاً من كآبةِ الحجر الكورونيّ بالتسوق الذّي فُكّ قيده فَكاً مشروطاً من قريب.

تسوّقُ الإناثِ الذّي يعجزُ أنجعُ الأطباء النفسيين عن تفسيره، نشتري أشياء عشوائيّةً نعرف أنها ليست نحن، لكننا نرغبُ فضولاً أن نجرّب، وأن نرى أنفسنا على المرآة فيها، ونعيدها لاحقاً بعد ساعة.

نكبرُ ولا تنضجُ عقولنا عن تجاوز عادة العودة السيئة لإعادة كيس الاستبدال من السوق أبداً!

تلك مهارةٌ نتقنها ونحترفها بالفطرة جيداً، احترافاً يُحبط الذكور منّا أثناء انتظار إرجاع تلكم الأكياس.

الاسترجاع والاستبدالُ جزءٌ لا يتجزّأُ من طقوسِ تسوّقنا، لهُ لذّة، ومعه على الدّوام ضحكة، عرضُ الأزياءِ أمام العائلةِ وتحليلُ الشخصيةِ مع كل قطعةٍ يستحقُّ وقفة الانتظار تلك..

كانت أختك تنتظرُ فتح _الكاشيراتِ_ بعد انتهاء أداء صلاة الظّهر البارحة، مختنقةً من الكمّامة.

تفصلُ بين المتسوّقات مسافةُ مترٍ ونصف، يبدو منظرنا مضحكاً بعض الشيء، ننتظمُ لتسوّقٍ عشوائي.

حاشا لهذه الأمتار أن تمنعنا من الثّرثرةِ النسائية وتبادل أطرافِ الحديث؛ أزيحُ الكمّامة ضجراً منها، وتأفُّفاً من الانتظار،

وتُزيحُ كمّامتها المُنتَظِرَةُ على بعد مترٍ ونصفٍ أيضاً، تلتقي عينانا تلك اللحظة، ونبتسم معاً بسمةً عابرة.

أقول لها: لقد مضى عامٌ لم أبتسم فيه لغريبٍ ولم ألمح بسمة. حجبت بسماتنا الكمّامات، ندعو أن يزيح الله الكربة،

لأن في بسمات الناسِ قصصاً وعبراً وحكايا لا غنى لنا عنها.

لو لم تكن البسمةُ وتبسُّمها ورؤيتها بتلك القيمة، لما كانت في شرعنا الكريم بوزنِ الصّدقة.

نحنُ لا نشتاق البسمات فقط، أصبحنا حذرينَ حريصينَ جداً قبل أن نُعانق أحداً أيضاً.

إن تناسينا حذرنا للحظة، غصّ حرجاً منه الطرفُ الآخر للحظات.

لعامٍ كامل، شُلّت لحظات الاحتضان عند اللّقاء حول العالم شلّاً بلا حلّ.
أبسط أمثلتها، حين نعود للمنزل من العمل، ونؤشّرُ للطفلِ صبراً أن ينتظرَ ريثما نتعقّم.

صرنا نتعطّر بالديتول قبل أن نقبّل الصغار خوفاً عليهم، خوفاً من شيء لا يُرى بالعينِ المجرّدة، نسأل الله أن يتلطّف بنا ويرحمنا بقدرته الكامنة في كن فيكون.
كان يا ما كان، كان للعناقِ فلسفةٌ فريدةٌ خلال العمرِ لا ننساها، نتذكّرها حين نراها في المطارات، كلّما شاهدنا مُشتاقَينِ يلتقيان.

حين تُسرع خطواتك نحو أحدهم مشتاقاً، ستكونُ ذراعاك لا ارادياً على حالٍ مّا من ثلاثة!

عموماً عند عناق الأطفال نُخفضُ لهم الذراعينِ كجناحينِ ونطوّق خصورهم فيطوّقون أعناقنا، ويرمون بين الكتفينِ كلّ الثّقة بالكبار أنّنا سنمضي بهم لحالٍ أفضل مما نحنُ عليه بإذن الله،

أمّا عند عناقِ الكبار، فالحال مختلفٌ قليلاً، فالحظُّ كلُّ الحظِّ لمن يتحوّلُ مجازاً لذلك الطفلِ ويستبقُ رفعَ الذّراعين ثانيةً لمساً لاحتواء تسكنُ فيه اضطرابات زمانه.

أمّا العناقُ الثالث، كنّا قد تعوّدناه حتى حُرمناه، ذلك الذّي تَرفع فيه ذراعاً لاجئةً كالصغار وتخفض الثانيةَ إحتواءاً كالكبار، لتتوازنَ كلُّ الحياةِ بعد لحظة.

نلتقي يوماً مّا برحمةِ الرحمن، نتذكّرُ قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، ونتعانقُ العناقات الثلاثة، وتعانقنا الأمهات.

عناقاً طويلاً عطراً بلا كمامة، بلا ديتول.

كوني بخير، كل خير، من نصف الكرة الأرضية الآخر، من القارّة الأُخرى، أعدك، وما ذلك على الله بعزيز: على أرض الوطن المحروس، رح نتلاقى يوماً مّا.

وصباح الخير عندنا، وتصبحون على خيرٍ عندكم، ويجوز الوجهان يا نور العين.

أختك الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *