هُوَت

مرحبًا، لديّ كَمٌّ هائلٌ من الأسئلة أودُّ طرحه، لا أبحث عن حل، ولا أحتاج حوارًا لا ينقطع، كلّ ما في الأمر أنّي أريد استماعًا حتى الكلمة الأخيرة، احتواءً، انصاتًا لما بين الكلمات، شعورًا بها، بي، بك، بنا جميعًا.
لم لا تسأل عن حالي؟ أتزعجك حقيقة أنّي لست بخيرٍ تمامًا، ما هو الخير؟ أخبرني؟
لماذا علينا التعايش مع فكرة أنّ الخير جنين الألم الأبدي وأنّ مخاضه طويلٌ وأنّ الأجنّة لا تحيا جميعًا وأنّ الخير مرصاد الشر العنيد؛ وأنّ الخير وجدٌ فمجدٌ وهو سرٌّ من أسرار الوجود مرتبطٌ بألوان القلوب لا محالة.
= ما لون قلبك؟
– أنت أعلم.
= ما لون قلبي؟
– كَلَوْنِ قلبي.
= ما بال عطر الكلمات حزين؟
– هل لعطرها مشاعر هي الأُخرى أيضًا؟
= ربما، فهي في موعدٍ مع الورد دومًا.
***
: “وأنت تعيش يومك بِنِعَمٍ لا تُعد، تأكل وتلبس بفضلٍ وسترٍ من الرحمن وتتنعّم، لا تنس لحظةً أنّ على وجه الأرض كذا وكذا، فهذا كنه الانسانية كمسلم وصميم الحياة في سبيل العروة الوثقى”.
هذه قولتنا الدائمة للأطفال كرعاةٍ مسؤولين أمام الله تعالى عن رعيّتهم. نقولها في الأعياد والمناسبات وفي لحظات المشاعر الغامرة أيًا كانت، نردّدها كي يكون الوعي على أهبّته لديهم ما استطاعوا، وكي يدركوا معنى: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، كي لا تغصّ الحلوق إذا ما سألنا: أكلّما اشتهيت اشتريت؟ كي نحاول ما استطعنا أن ينشأ جيلٌ مسؤولٌ يحبّ أخاه في الدين وإن لم يره، جيلٌ واعٍ يشعر بألم الآخر وإن لم يعايشه، يتذكّره ويدعو له ويفكّر بجديّةٍ كيف يعمل لتحسين حياتهما معًا.
***
لم تكن هُوَتْ مدبّرةً منزليّةً عاديّة، كانت تحبّ عملها، تحترم عقلها وتقدّر وقتها، تهتمّ بنفسها وعقلها وأنوثتها في خطوط متوازيةٍ هادئةٍ لا يتعارض أحدها مع الآخر، تستثمر وقتها بالاستماع إلى المحاضرات أثناء التنظيف، تنظّف البيت كما لو أنّه بيتها، وحينما تنجز مهامّها اليوميّة تستمع إلى الأخبار مثلنا تمامًا وتنتظر معنا الخبر الذي لا يعلم أحدٌ متى يحين موعده، ثمّ تبكي بصمتٍ مريرٍ في زاوية.
سألتها يومًا: خيرًا؟
لا تعرف الفتاة عن والديها شيئًا منذ ثمانية أشهر، الاتصالات منقطعة تمامًا عن قريتها، غصّت أثناء الفضفضة: لا أعرف حتّى إن كانوا على قيد الحياة أم لا، أنا لا أعرف شيئًا.. لا أعرف.
رتّبَتْ شموعًا وراحت تدعو لهم بحرقة الإنسان على الإنسان، وانتهى حوارنا عند ذلك، أو أنّني هكذا ظننت.
أذكرها اليوم فأستشعر معنى أنّ بشرًا كُثرًا على الأرض لا تعرف بلدك بالضرورة ولم تسمع به من قبل قط، وذاك لا يهمّش وجودك في البشرية، إنما يعني أنه لن يعرف أهلك ولن يتعرّف إلى همومهم إلا من له رابطٌ وثيقٌ بأحدهما أو بكليهما معًا.
***
سلامٌ على ابن البلد أينما كان وأينما حل وكيفما توجّه، السلام عليه وعليّ فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليه، السلام على قلوبٍ تنبض بشقّ الأنفس منذ سنين، السلام على من يهمسون لأنفسهم كلّ مساءٍ وصبيحة: غدًا يومٌ أجمل بإذن الله، السلام على أملٍ مازال يجابه الحياة رغم صعوبة العيش البالغة فيها، والسلام على طفلةٍ نطقت بما لا يسع الطيور فهمه: “الحمد لله، عشنا”. السلام علينا جميعًا ورحمة الله وبركاته.
💔

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *