أمومة

لكنّ الحقيقة يا صديقة، أنهم خدعوك بأن الأمومة حملٌ وسهر وولادة.
أعجبك الدّور، وتلذذت الوهم.

لقد جرّبت، وكانت معقدة أكثر مما تخيلت،
لم تكن بخفقات قلبك يوم أن رأيتِ الخط الفاتح الموازي أو المتعامد في التحليل المنزلي، ولا بشراء أفضل كسوة وطبخ أطيب لقمة،
لم تكن بسهر الليالي ولا بتأمين أمنياتهم وتحقيق أحلامهم.

لم تكن الأم كما تصورت، ملاكاً أبيضاً بجناحين كبيرين يتسعان درب التبانة وأكثر، بل كانت لبوةً شرسةً بأنيابٍ حادةٍ تنهش الخير لأولادها حيثما وجدته بكل قوة.

إنها ليست وسام شرف، ولا انجازاً شخصياً، إنها تحدٍ بمعنى الكلمة، في صناعة الإنسان للإنسان، في تكوين الأثر.

أعرف مربّيات لم ينجبن، بل لم يتزوجن أصلاً، لكنني أُدرك تماماً أنّهن ربّين أجيالاً لم تولد من أرحامهن.
ببساطة، العظيمات ُتدركن أنهن تستطعن خَلق ألفِ حبلٍ سرّي بينهن وبين الكون، إن لم يُخلق بأرحامهن واحد .

العظمة يا حبيبة، ليست بالبيت الجميل الذي نشأ فيه أولادك، ولا بالمدارس بانورامية الأقساط التي ألحقتهم بها، ولا بالنوادي التي كانت بسمتكِ تسع السماء وأنتِ تحدثين عنها جليساتك، وكلها من غير حول منك ولا قوة.

العظمة تتجلى في كل ما كان لكِ به حولٌ وقوة.

إنها أن تكوني أو لا تكوني، أن تعرفي رسم ذكرياتهم جيداً، أن لا يحتاجوا أن يصفوا من رباهم، الجميع يدرك ذلك لاحقًا من أخلاقهم وتصرفاتهم وطباعهم.

لقد تابعتُ بَثّاً يتحدث عن التربية من يومين، لقد تم فيه رسم العائلة بصورةٍ مثالية، مثالية جداً.

مثلثٌ ، يربط الأم والأب والطفل.

تسائلت، أين مثلثات الأمهات المطلَّقات والمطلِّقات؟ الأرامل، والأمّهات العاملات، الأمهات اللاّتي يُربّين أطفالاً سافر آبائهم طلباً للرزق أو للعلم وغيره، المتزوجات لمرةٍ ثانية بعد طلاقٍ أوّل ومعهن أطفالٌ تنشأ عند زوج الأم، وربما مع أبنائهم أيضاً، والأهم منهن، تلك التي تربّي على استحياء بهدوءٍ أطفال أحدهم وما زالت بكراً، لكنها تربي عن ألف أم.

لأن الأمومة إرادة ٌجبّارةٌ لفعل شئ، ليست عاطفةً متدفقةً فحسب.

الحياة ستضعنا دائما في موقفٍ نبحث فيه عن ذاتنا بين سطور أحدهم.

أقولُ بدفءٍ: لا عليك.
اعمل على أن تشع نوراً لا يُحيج أحدهم للبحث عنك، كُن ذا نورٍ يخترق العيون ويزعجها أيضاً.

كلماتٌ طويلة جعلني أفكر بها ابني الأحمد.

أحمد، المشاغب، الدافئ، الممثل، المتذاكي على أمه كثيراً من المرات، أرغمني ليلة البارحة على إرغامه حضور دورةٍ كنتُ قد سجلت بها عن بُعدٍ مساءاً، أحمد يصغي ويقلد المحاضر، لا أعرف إن كان يفعل ذلك لتشتيت تركيزي فأعتقه من الحضور معي، أم ليجعلني أركز أنه مركز أكثر مما أتصور.

يقول المحاضر عبارة الرافعي الشهيرة :إذا لم تزد على الحياة شيئاً تكن أنت زائداً عليها.

أحمد بصوتٍ خجلٍ منخفض: لعلّه يقصدني.

ثانيةُ صمت وتفكير، بل ربما أقل..
أحمد بصوت واثقٍ مرتفع، مرتفع جداً: بالتأكيد لا يستطيع أن يقول كذلك عن خالي.

أضحكني، أضحكني ملئ قلبي، بل أضحك الرافعي في قبره والمحاضر خلف الشاشة.

أحمد أكمل الثلاث ساعات كاملةً معي البارحة، أحمد حصل على جائزته، نام بقربِ ماما.

أمّا أنا فأترقب بشوقٍ أن تكبر، لأحصل على جائزتي برؤيتك كما أطمح يا ماما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *