بداية

أيّها العامُ الطّويلُ الثّقيل، يا عاماً حرّم علينا الحُضنَ الجميل، أنا لن أنساك، عاماً انتصفَ فيهِ عُمري، واكتملَ فيهِ نِصفي.

لكلٍّ منّا فلسفتهُ الخاصّة في تحديد تواريخ البدايات والنّهايات المرتبطة بأعمارنا، البعض يربط بداية العام بتاريخ الميلاد، وأحياناً بتاريخِ الإنجاز، ربّما بشهرٍ فضيل أو موعد إجازةٍ سنويّة، ربّما بتاريخٍ مميّزٍ خاصٍّ به وحده يفضّل ألا يخبر به أحد ويبقي عليه سراً جميلاً بين أسراره، والأغلبية القنوعة بالعاديّ تبدأ بالأول من يناير وتنتهي عند الواحد والثلاثين من ديسمبر عاماً بعد عام، ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها.

مع كلّ نهايةٍ ومطلع كلّ بداية، تتسابق الناس لسؤالك، ما أهداف عامك المقبل؟ ما أنجزت في عامك المنصرم؟ ما أمنياتك؟ وما هي استعداداتك؟ يسألونك بحجّةِ نشر الوعي والفائدة، وأنت تسرّ أجوبتها بينك وبين نفسك، لأنّها في الواقع أسئلةٌ شخصيّةٌ عميقةٌ وخاصّةٌ جداً، لا ينبغي للقاصي والدّاني معرفة أجوبتها، لأنّ الهِمَمَ الحقيقيّةَ والأعمالَ التّامّةَ لم تكن يوماً لجليّ المقال، إنّما هي على الدّوام لخفيّ الأفعال، غيرَ أنّ سنّة الكون جُبِلت على أنّ فضولَ النّاس لا يتوقّف ولن، فيتقافزُ ألفُ ألفِ سؤالٍ منهم أمام عينيك وعلى مسمع أذنيك.

لا يبدأ عامي وعامك العظيم باليوم الأوّل من الشهر الأوّل هجرياً أو ميلادياً كما تتوهّم وأتوهّم، بل يتجلى في عزمك وصدقك وشفافيتك مع نفسك تجاه يومٍ بلا تاريخ مميّز، قررت فيه أن ترتقيَ إلى الأفضل، وأن تنجوَ بهذه الرّوح التي كرمك بها الله تعالى، وأن تحوّل عمرك من هباءٍ منثور إلى جنةٍ وسرور.

بداياتنا غالباً ما تشبه سموَّ روحانيّات شهر رمضان في حياة المسلمين، غالبية النّاس على اختلاف أديانهم يكونون على موعدٍ مع الشوق لطقوسه، وفي ترقّبٍ جميلٍ واستعدادٍ وانتظارٍ لعطر أيّامه وعبير لياليه.

يريدون أمنياتٍ كثيرةً من رمضان، وكأنّ رمضان هو الساحر العظيم، والمارد الكبير، بالتأكيد ليس كذلك.

نحن بحاجةٍ لتهيئةِ نفوسنا قبل أن تصلَ إليه وتطمعَ أن تُسحر بسحره وتذوبَ بغمراته؛ قبل كلّ البدايات علينا أن نتوقّف بتدرُّجٍ وحكمةٍ لنستطيع أن نشحذ الهمم ونعزم العزم ونشدّ الرحال لتحقيق المحال.

أنت وأنا، نحيا في دوامةٍ معيّنة، تلهو بحياتك مُزعجاً ومُنزعجاً، وأهرولُ بأقصى سرعةٍ نحو اللاشيء، ثمّ بعبثيّةٍ يشتاقُ كلانا التغيّر للأفضل، رغم أنّ أرواحنا تتخبط في ضلالٍ مبينٍ دون أن نبذل أدنى جهدٍ لتغيير أقدراها عن طريق خلقِ عادةٍ جديدةٍ مهما كانت بسيطة وإضافتها لأيامنا.

نحنُ بحاجةٍ واضطرارٍ حتميٍّ لأن نهدّئ من كلّ سرعةٍ لا تقودنا إلى الوجهة الصّحيحة يوماً بعد يومٍ وساعةً بعد ساعة، وصولاً إلى الحياة التي تقرُّ فيها العيون وتهدأ النّفوس وتسكن وتستقر.

نحتاجُ أن نملك كثيراً من سلامٍ وطمأنينةٍ وتركيزٍ تمام بدءِ أيّ بدايةٍ نختارها.

“سلام”،

ما أشمله من معنىً وما أجمله من شعور.

سلامٌ يمكِّننا من بتر العادات السيّئة والترحيب بالعادات العظيمة التي ننتقيها لشخوصنا التي نحبّ أن نكون على مثلها في هذه الحياة، علينا أن نمرّن أنفسنا على التوازن والوسطيّة دوماً، لنساعدها على تقبّل الجديد والمحافظة عليه رفيقاً على درب العمر الجميل.

أنا وأنت نطمعُ بتغيّرٍ جذريٍّ جوهريٍّ ما بين ليلةٍ وضحاها، نضعُ كلّ الأحلام والتّطلّعات فوق كتفَي كلّ بدايةٍ دون تحضيرٍ مسبقٍ واعٍ منظّمٍ لعظمِ الأهداف، ونريد بوهمٍ مّا أن تتغيّر أحوالنا من حالٍ إلى حالٍ ونحنُ لا نحترم الحياة حقّ احترامها.

عادةً مّا تطير عاداتنا الفاضلة الجديدة التي خلنا أنّنا اكتسبناها بنفسِ السّرعة المشتّتة التّي أتت بها للأسف لأنّنا لم نحسن الاستقبال، ولم نخططّ جدّيا للحفاظ عليها أطول مدّة، أو بوصفٍ أصح، مدى الحياة ما دامت تعجبنا وتنفعنا وتروق لنا وتبعث في حياتنا الحياة.

وخلاصة البيان، أنّ قانون البدايات العظيمة ينصُّ على ضرورة تهدئةِ السّرعةِ قليلاً للتركيز قبل وعند كلِّ منعطفٍ أو إشارةٍ في حياتنا، كما قيادةُ السيّارات تماماً، وما أكثر المتهوّرين في القيادتين.

الشكرُ موصولٌ لكلِّ من يرشدنا ويلهمنا فيفسحُ المجال وينوّر للقادمين على وجلٍ الطّريق، لمن يأخذون الأيدي برفقٍ ويوجّهون الساعي إلى المسار الرشيد، ولمن ينتقد بإيجابيّة ويشجّع ويتابع وينصح ويطمئن الباغي بجدٍّ أنّه مازال في الوقت متسعٌ لختام حياةٍ عظيمةٍ لبداية حياةٍ أعظم.

إلى رعاة الحبّ وناشري عبق السّلام في الإنسانية وفي الأكوان في كلّ زمانٍ وفي كلّ مكان، إلى من يدفعون الإنسان ليكون كما يجب وكما نحبّ أن يكون الإنسان نقول: شكراً لوجودكم في الحياة، شكراً بامتنان، وبالتأكيد، “سنكون يوماً ما نريد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *